Juil 182009
 

تشكّل الحدود موضوعا ملتبسا يغطّي وقائع معقدّة و أحيانا متناقضة. فرغم أنّ الحدّ ناتج عن إرادة و معبّر عن مشروع فمن المتعذ ّر الإمساك به و الإحاطة بطبيعته و أشكاله ووظائفه. إنّ علماء الجغرافيا و السياسة و الاجتماع و الانثروبولوجيا و النّفس و غيرهم لا ينقطعون عن استدعاء موضوع الحدود في أبحاثهم . و يتضمّن تنوع تلك المقاربات إشارة إلى كون الفهم العام للحدّ، كخطّ مرسوم بدقّة متناهية على خريطة جغرافية و كعلامة مدموغة حسيّا في المشهد الطبيعي، لا يسعه تغطية هذه الظاهرة الجدّ ثرية برمّتها . فإذا ما وضعنا جانبا انعكاساته على تنظيم الفضاء، فإنّ الحدّ يتضمّن أيضا أبعادا ماديّة و سياسية و رمزيّة.

I-الحدّ في بعده الجغرا- سياسي:

يعدّ الحد بِنية كونيّة و شَاما schème تنظيميّا أوليا و أساسيّا لكل حياة بشرية و اجتماعية. فالتنظيمات المجتمعيّة تنزع دوما و أينما كانت إلى استنفاذ كلّ الوظائف و ذلك بحصر قطاعات النشاط الاجتماعي في نفس الحيّز المكانيّ ،َوهكذا يتنزل الحدّ ضمن سيرورة تشكّل الأقاليم.

بالإضافة إلى ذلك، يتّصل الحدّ أيضا بمشروع سياسيّ ،و من هذه الزاوية يكون “رسم الحدّ فِعْلا جيوسياسيّا بامتياز إذ يتعلّق الأمر بتدوين السياسيّ في الحيّز المكاني”[1]

1-الحدّ :تذكير بالجذور

ويعود ظهورلفظة الحدّ la frontière في اللّغة الفرنسيّة إلى القرن الثالث عشر. و قد تشكّلت على قاعدة لفظ front أي الجبهة بالمعنى العسكري[2]

و تحيل الجبهة بهذا المعنى إلى تنظيم للفضاء زمن الحرب يشير إلى فاصل وقتي و غير ثابت يفرّق بين معسكرين أثناء مواجهة لأنه إلى ذلك الحين لم تكن للممالك إلا نهايات وأطراف و تخوم. و يتحوّل ذلك الانقطاع في المكان بحسب علاقات القوة القائمة و ينتهي الأمر إلى فرض مبدإ الاستمرار و الاندماج الاقليمي، فيحلّ محلّ الفضاء ذي المعالم غير الدّقيقة رسم لخطوط متنامية المناعة تفصل بين دولة و اخرى مصادق عليها باتفاقيات و تتخلّلها أرفات bornes و حواجز جمركية[3]

إلا أن هذا كله لا ينفي تباين دلالات لفظ الحدّ بتباين الثقافات، و الشّاهد على ذلك تعدّد المصطلحات الدّالة عليه. ان الحد في اللغة العربية مثلا لا صلة له بمصطلح الحدّ كفاصل limite مع ما يتعلّق بذلك الفاصل من أساليب الرقابة.

إن الحدّ في العربية يعبّر عمّا هو مُدبّبٌ Pointu، كما يدلّ على المنع، والحاجز بين الشيئين حتى لا يختلط أحدهما بالآخر. و يدلّ الحد في السياق التشريعيّ على عقوبة مقدّرة شرعاً.

أما الدول التي تشكّلت في الفضاء العربيّ الإسلامي فهي لا تتطابق مع النموذج القانوني والإداري الأوروبيّ[4]

2- أصناف الحدود:

انطلاقا من لفظة الجبهة front يمكن استنباط نوعين من الحدود بمضامين متباينة:

الحد المِنْطقيّ: la frontière zonale إن الحدّ الذي ينضوي تحت هذا الصّنف ليس جليّا و لا يرتبط بدلالة فريدة، و ابرز مثال على ذلك “اللّيماس “Le limes الرومانيّ المخصّص لحماية الامبراطورية من الجيران البرابرة. وتتّصل هذه المنطقية zonalité بلفظة frontier في اللغة الانجليزية و التي تدلّ من وجهة نظرتيرنر J.F.Turner على “الشّريط المتحرّك حيث يتكوّن المجتمع الجديد”[5] .أي أن ّ الحد ّ بهذا المعنى ينطوي على مضمون محدّد إنه أفق حيّزيّ و موضع ولادة المجتمع الامريكي الجديد.

انطلاقا من هذا الصّنف الأول للحدود تتبلور فكرة الحدّ كمنطقة غير معيّنة إذ يمكن للمرء و هو في حيّز مكاني منها أن يكون قد حل ّ بَعْد في حيّز آخر، إلا أن تلك الضبابيّة سرعان ما تزول تماما بمجرد حلول الشّكل التالي من الحدود.

الحدّ الخطيّ:la frontière linéaire و هو حديث نسبيّا و مرادف للكلمة الانجليزية Border أو Boundary ، و يفصل بين دولتين سياديّتين، و تتجسّد سيادتهما بواسطة لوائح تنتج أشكالا من الإقصاء،على اساسها يتحدّد الدّاخل/الخارج ، الضمن/ الظّاهر …. فتُتيح وفقا لذلك إمكانية الإنتقال الآنيّ من فضاء إلى آخر. وتجدر الإشارة إلى أنّ ظهور الخطّ – الحدّ قد واكب تطوّر الخرائطيّة (فن رسم الخرائط) و ترسُّخِ الحسّ القوميّ.

إن الحدّ كخطّ فاصل هو ابتكار أروبي تمّ تصديره خارج أروبا إلى فضاءات حضاريّة لم تكن فيها بُنَى الدولة مطابقة لنموذج الدولة الأوروبية.[6] و منذ ذلك الحين فُرض هذا النمط من الحدود كأكثر الأشكال قَََروئِيّة و اكتمالا للسيادة تتلاقى عنده الانقطاعات الإقليميّة الأساسيّة سواء كانت سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة.

و يقترن هذا النّمط من الحدود بنظام مراقبة متفاوت الجلاء غايته الأولى الحماية، لكن و في ذات الوقت السّماح بالمرور الخاضع للمراقبة و الأداءات.

و تقترن بهذا الصنف من الحدود وجوه بارزة ذات أبعاد رمزيّة كالعسكريّ و موظّف الجمارك بل و كذلك المُهرّب[7]. و إذا ما كان الأول و الثاني دالّيْن على الحماية فإنّ الثالث يعبّر عن التنقل والْبَيْن- بيْن الذي يعكس الطّابع الازدواجيّ للحدّ في وظيفته كمِرشحٍ متقلّب يتعاقب فيه الانفتاح و الانغلاق.

إلى هذا الضّرب الأول من الغموض ينضاف آخر متأتّ من أسلوب التّصديق القانوني على اختطاط حدود الدولة القائم على التّعارض بين نموذج النّهاية الثّابتة و غير القابلة للمساس المسماة “حدّا طبيعيّا”، و النموذج القابل للتهذيب المدعّو “حدّا تاريخيّا” أو “مصطنعا”.

*الحد الطبيعيّ “la Frontière naturelle”

يرتكز هذا الحدّ على عوارض طبيعيّة تشكّل فاصلا بين دولتين وخطّا منِيعا بين طرفين مستعدّين للدّفاع عنه، و هنا يبدو الخلط بين ماهو انقطاع طبيعيّ و بين الوظيفة السياسيّة للحد[8]. فرغم ما تنطوي عليه تسمية ” الحدّ الطبيعي” من إشارة إلى نوع من العناية الالهيّة و القدر الجغرافيّ فإنّ هذا الحدّ ليس في الواقع إلّا نتاج اتّفاق سعى عبره رجال سياسة و خاصّة مستشاروهم العسكريّون إلى تجسيد خطوط بارزة تسهل مراقبتها و تكون لها جدوى إبّان غزو محتمل[9].

و من الأهمية بمكان أن نذكّر هنا بأنّ الحدود الطبيعيّة من منظور الجغرافيّ الألماني فريدريك راتزلF.Ratzel لا ترتكز على مبرّر أراثي Topographique بل على فجوة اثنو- ثقافيّة[10] ، من هذا المنطلق أيضا رأى النازيّون أنّ علامة الطبيعة لا تقوم على الإراثة بل على اختلاف الأعراق races.إن الجهود الفائقة المبذولة من أجل إعادة صياغة دلالة الحدود الطبيعيّة لتبرير المشاريع الاقليمية العابرة للحدود لا تزيد إلا تأكيدا على أنّ تلك الحدود ليست طبيعيّة على الاطلاق، بل هي إنجاز بشريّ و إنشاء اجتماعيّ و في هذا الاتجاه كتب.ج .سيمل قائلا: “ليس الحدّ ظاهرة مكانيّة ذات آثار سوسيولوجية بل ظاهرة سوسيولوجيّة تأخذ شكلا مكانيّا”[11]

*الحد التاريخي أو المصطنع: la frontière historique ou artificielle”

هذا الصنف هو تتويج لتاريخ طويل من الحروب و التّسويات بين قوى سياسيّة، و يتنزّل في إطار حركة مطالبة اقليميّة تبرّر ذاتها بالإحالة إلى مرحلة تاريخية متّصلة بأقصى توسّع اقليميّ لإحدى تلك القوى على حساب الإقليم المحاذي لها [12].

و ليست الحدود التاريخيّة أقلّ عدوانيّة من تلك المسمّاة “طبيعيّة”. إن الحدود التي تثبّت التّمثلات المتعلّقة بالهويّة القوميّة و بالوطن تعكس دوما علاقة قوّة بين دول أمم. و قد تكون تلك العلاقة قائمة بين دول أمم في طور نزاع مباشر، كما يمكن أن تنتج عن تدخلات خارجيّة لدول مَعْنيّة بالتّقسيم، و نسوق على سبيل المثال الحدود الإفريقيّة. فهذه الحدود خُطّت بطريقة مصطنعة ذات صلة بلُعْبة المصالح السياسية و الاقتصادية للدول الكبرى الاستعمارية. تلك الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية لا تتطابق في العموم مع الفواصل الإثنية و هي تثير دوما الجدل حول حق الشعوب في تقرير مصيرها[13] . و الحال كذلك بالنسبة للحدود في منطقة الشرق الأوسط التي تولّدت عن تصوّر استعماري و بمساعدة من لدُن نُخب محليّة.

إضافة إلى ما سبق يمكن للحدّ كخطّ يفصل بين دولتين أن يكون عائقا يعزل عالما عن ذاته أو يقسّم بلدا إلى اثنين، لنفكّر مثلا في غامبيا المطوّقة بالسنغال، و جدار برلين الذي صار بين عشية وضحاها حدّا فاصلا يقسّم فضاء كان واحدا بلغته و ثقافتة، أو ذلك الحائط الذي شيدته سلطات الدولة الصهيونية بإسم”الأمن” المزعوم مؤسسة بذلك لقطيعة مُُوجِعة تشُجُّ الحياة اليومية للأفراد و العائلات و الأحياء الفلسطينية. إنها انشطار في أرض و في ذاكرة.

إننا نشهد في زمن العولمة تطوّرا في العلاقة بالإقليم، و ذلك على إثر تآكُل كفاءة الدولة في مراقبة إقليمها تآكُلا حقيقيا أدى إلى تَداعٍ للواحد تلو الآخر للعناصر التي كانت تشكّل في العادة حدودا ومن ثم وضع تصاميم للحيّز المكانيّ تتحوّل تبعا لتطوّر الاتّصالات و التجارة والاستثمارات.

إلا إن هذا التطوّر هو أبعد ما يكون عن إعلان لنهاية الحدود، بل على العكس من ذلك تشير نزعة الثقافات إلى العزلة و كذلك الانكفاءات الهوويّة إلى تبلور أصناف جديدة من الحدود أكثر نفاذا وهي المسمّاة الحدود الوهميّة les frontières imaginaires.

…. يتبع

سامية اللجمي GRIC Tunis

  1. [1]M.Foucher : Frontières à retracer : un point de vue de géopoliticien”, frontières et limites acte de séminaire, Centre Georges Pompidou, Paris 1991. p6
  2. [2]voir R.Brunet :Les mots de la géographie Ed Reclus ,Paris1993
  3. [3]voir D.Nordman :Frontières de France. De l’espace au territoire 16eme-19eme siècle Paris Gallimard 1999
  4. [4]A . Miquel : la perception de la frontière aux approches de l’an mil de notre ère In le monde musulman à l’épreuve de la frontière Institut de recherche et d’études sur le monde arabe et musulmans. p22-25
  5. [5]J.F Turner : The frontier in american history Cité par Ayse Ceyhan : Etats-Unis :frontières sécurisées,identité(s) .contrôlé(s)Culture & conflit N : 26-27 (1997) pp.235-25
  6. [6]voir L.Fèbre : pour une histoire à part entière. Paris sevpen 1996
  7. [7]Frontière et seuil : revue Eidôlon No 67 Présentation de Joelle Ducos http://lapril.u-bordeaux3.fr/spip.p…
  8. [8]voir Patrick Picouet : quelle frontière pour l’Europe www.café-geo.net\article 625
  9. [9]voir Ch.Pradeau : jeux et enjeux des frontières Presse universitaire de Bordeaux 1994
  10. [10]voir F. Ratzel : La géographie politique Paris, fayard 1987
  11. [11]G.Simmel : sociologie : études sur les formes de socialisation Paris PUF 1999. p 607
  12. [12]voir M.Foucher : fronts et frontières. Un tour du monde géopolitique. Paris Fayard 1991
  13. [13]voir C.Dubois, M.Michel, P.Soumille : frontières plurielles, Frontières conflictuelles en Afrique Subsaharienne. Paris L’Harmattan 2000

Sorry, the comment form is closed at this time.