Juil 182009
 

- هل استعاد المؤمن ظله؟ :

حين تهاوى الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني في ماي 1981 مصابا برصاص ” محمد علي آغشا “،القاتل المحترف، سمع البعض البابا يهمس: ” لماذا أنا ؟ لماذا أنا ؟ “. هذه الكلمات القليلة ،في تلك اللحظات، تساعد المتأملَ اليوم على فهم جانب أساس من مسيرة رجل مؤمن برسالة ديانة كبرى طالما امتُحِنت عبر العصور. ” لماذا أنا؟”: استفهام إنكاري أطلقه قائله وكأنه لم يدُرْ بخلده أن يكون، وهو الداعي إلى السلام والمحبة، مستهدَفًا بالقتل شأن رجال آخرين بيدهم قهر النفوذ وسطوة السلطان الزمني. السؤال الذي يبدو لنا موضوعيا، من زاوية المتابع المسلم، حين نريد تقويم جانب من مسيرة الرجل الذي أشرف على حظوظ المسيحية الكاثوليكية لأكثر من ربع قرن هو : كيف يمكن أن نقبل أن تحقق الكنيسة هذه الحركية في شتى أنحاء العالم وبخاصة صوب المعسكر الشيوعي ثم يكون زعيمها خالي الذهن من أية تداعيات سياسية دولية يمكن أن تلحقه؟ هذا الجانب الأول حريّ بالبحث لأن غالب المهتمين بالشأن العام من المسلمين ما زالوا يشكّكون في نجاعة التمايز بين الديني والسياسي بل و في إمكانيته ؛ كما أنهم ما زالوا ينظرون إلى العلاقة مع الطرف المسيحي الأوروبي بعين الريب الشديد. ما نريد أن نعالجه بمناسبة وفاة يوحنا بولس الثاني هو هذا السؤال المثنّى الذي يؤرق الفكرالإسلامي والذي لا مفر من الإجابة عنه إن أردنا تـجاوز أزمة تعصف بالنخب المسلمة منذ ما يزيد عن قرنين. السؤال المزدوج هو من جهة: إلى أي حد يمكن الفصل فعلا بين الديني والزمني و من جهة ثانية هل تمكّنت الكنيسة الكاثوليكية حقيقة من بلوغ هذا الفصل والحال أن حضورها المباشر وغير المباشر في المجالات العامة لا يكاد يخفى؟ إذا باشرنا مسيرة الحبر الأعظم من هذا المدخل فإننا نعتبر أن ما قاله البابا في استفهامه الإنكاري يصوّر بدقة وصدق ما انتهى إليه الوعي الكاثوليكي في خصوص وظيفة الدين المسيحي في عالم الحداثة. ما استقر عليه الفكر المسيحي في صياغته الكثوليكية هو أن رسالة الدين هي خلاص الإنسان وتدبير معنى الحياة أما العلاقة بالشؤون العامة للمدينة وما يتصل بالفعل في الزمن فإن له نظاما وحركة خاصين لا ينبغي أن يتولاهما رجال الدين. مثل هذه الرؤية تحققت بصعوبة وواكبت تطوّرا للأوضاع الاجتماعية والفكرية في الغرب الأوروبي بما حال نهائيا دون العود إلى ما كانت عليه الأوضاع في القرون الوسطى. لقد انتهى الفكر المسيحي في الغرب الأوروبي إلى أن الحراك الديني عندما يصبح فعلا في الزمن فإنه يخّرب الدين ولا يفيد السياسة. هذا ما بلغته سيرورة الأوضاع منذ حركة الإصلاح الديني في الغرب وهي سيرورة اعتمدت تأصيلا عقديا وفكريا للخصوصية المسيحية معطية لكلمة السيد المسيح بعدا معاصرا ينبغي التنبه إليه ؛ لقد قال عليه السلام : ” اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ، ما تمثّله الفكر المسيحي في الغرب الحديث من هذه المقولة هو أنه لا ينبغي أن يقدَََّس الفعل الزمني السياسي. بذلك كان المؤمن مدعوّا إلى ألاّ يقدّس ما لا يقدّس من الفعل في الزمن وإلاّ آل الأمر إلى تقويض ذاتية الدين ورسالته من ناحية وإفساد ما يصنعه القائمون على الشأن العام بما يُستعار لهم من مسوغات دينية تُخفي أزماتهم وسوء اختياراتهم من ناحية ثانية. حين نعود إلى مسيرة البابا الراحل وخاصة إلى تكوينه المعرفي – الأخلاقي والروحي نكتشف أمرا لافتا للنظر يؤكد ما سلف. إنه ذلك الوثوق من رسالة الدين المسيحي رغم استتباب الحداثة الأوروبية ورغم ما يبدو من صلف العقل المنتصر خاصة في الصياغة الإلحادية الشيوعية. هو وثوق ناتج عن استيعاب للفلسفة الغربية عامة وتمثّل بالخصوص لنقدها للفكر المسيحي طيلة العصور السابقة. ما يلمسه الباحث في عدد من مقاطع خطب البابا وفي أجزاء من تراثه المكتوب ويدركه أيضا في التكوين المعرفي اللاهوتي لعدد من رموز الكنيسة المسيحية يثبت أن الموضوع ليس مجرد مراوغة وتزويق لفظي. إنه رهان فعلي بدا واضحا مع البابا يوحنا XXIII ثم تحمّـلَه بولس VI وبعده البابا الراحل بدرجة أقل. إنه الاختيار الذي يعتبر أن الإصلاح الديني والأنوار والحداثة وإن غيرت جذريا من وعي الإنسان الغربي خاصة وإدراكه لنفسه وللعالم فإن هذا لا يعني ضرورة استنفاذ الدين لأغراضه. لذلك فما تحقق من اصطدام الكثيرين بالسلطة الكنسية الأوروبية باعتماد معارف علمية موثَّـقة ومناهج فكرية جديدة أمر يحتاج إلى إعادة نظر تتطلب مراجعات عميقة ومريرة. مثل هذا التوجه قام به وما يزال رجال دين يريدون أن يستعيدوا ظلهم في أرض المعرفة والعلم لكن دون أن يعني ذلك القبول باستئصال للدين ولإيمان المؤمنين. أكثر من ذلك، لقد انتهت بعض تلك المراجعات إلى اعتبار أن المفكرين الملحدين مثل “فورباخ” و “فرويد” و”ماركس” و”نيتشة” و”سارتر” قد أدَّوا ،على غير قصد منهم، خدمة كبرى للإيمان الديني لإنهم بنقدهم الصارم زعزعوا الدواعي الإيمانية المتهافتة و كنسوا الأرض من جميع التراهات المزيفة. لقد مهّدوا السبيل لفكر ديني جديد ومعاصر متناغم مع الكشوف العلمية من ناحية ومؤكد على ضرورة التوصل إلى دواع صحيحة للإيمان وتوطيدها والتعبير عنها بوجه أوضح. هذا جانب مما اعتمده البابا الراحل في انفتاحه على عالم متطوّر معقَّد ومأزوم. كانت رحلاته في مختلف الأصقاع تعني أوّلا قبول تحدي المشاكل الماثلة في كل قطر يتجه إليه ، إضافة إلى ذلك فهي تعني ضمنيا نقدا للذات ولأخطاء الكنيسة العديدة التي لا مفر من الإقرار بها ومواجهتها بما تحتاجه من خُلُق التواضع وصرامة الوعي. تلك هي المفارقة الكبرى التي أتاحت للبابا الراحل مصداقية فاجأت صنّاع القرار وأصحاب الفكر و النفوذ في أوروبا أولا والعالم بعد ذلك. إنها مفارقة من يكتشف نقاط ضعفه فيواجهها مريدا أن يحوّلها إلى مرتكزات قوّة. مثل هذا الاختيار لم يصنعه البابا، فالمؤكد أن الكنيسة الكاثوليكية من قبله بدأت حركة غير عادية منذ المجمع الفاتيكاني الثاني في أكتوبر 1962. كانت حركة أقرب إلى الثورة لأنها اعترفت بالمفارقة الكاثوليكية وقررت مواجهتها بكلمة هي مشروع كامل : التحيين. إنها الــ Aggiornamento أو المواكبة التي تعني أننا إذا أردنا أن نحتفظ بمكانتنا في العالم فلا مناص من الاستماع إلى هموم العالم وهواجسه ولن يتحقق ذلك إلا إذا نزّلنا المعتقدات الكاثوليكية في هذا العصر. ما أراده البابا الراحل إضافة إلى ذلك، بل وقبل ذلك، هو أن يكون أبًا يحنو على إنسانية تعاني من أدواء ضياع المعنى و بؤس الحياة.أ درك البابا وهو القادم من بولونيا الأسيرة أن الشعوب محتاجة إلى قيم ومعان كادت تندثر. من ثم جاء تركيزه على أمرين اعتبرهما الرافعتين الأساسيتين للإيمان وللحياة الروحية : النظام الأخلاقي و حماية مؤسسة الأسرة التي تراجعت أهميتها وانهارت منها مكانة الأب في زحمة تحولات جارفة. بذلك انطلق منذ تنصيبه في سنة 1978 مبتدأ بالعبارة المأثورة ” لا تخافوا” التي أراد بها مواجهة نظام شيوعي- ستاليني قمع موطنه البولوني ثم أراد بها بدرجة ثانية عودةً للروح في أوروبا المهددة في إنسانيتها وقيم التضامن والمحبة التي تحقق هويتها. بهذه الأبوّة الحادبة المشفقة وبتواصل مع حركة إصلاح عقدية ومؤسساتية مضت سنوات البابا يوحنا بولس الثاني سعيا في أن يبقى حافزا قيَميا وروحيا في عالم قلق حائر. هكذا تبدو للمتابع مسيرة الحبرالأعظم، لم يتجاوز فيها حدود التمايز بين الديني والسياسي رغم ما يمكن أن تذهب إليه بعض التحليلات التي تعتبره الرجل الأخطر دينيا وسياسيا في نهايات القرن العشرين. ما نعتقده أن الرجل استعاد جانبا من الحضور الكاثوليكي ضمن الحدود التي رسمتها الحداثة في علاقتها بالمقدس. لم يتخط تلك الحدود وما كان له أن يفعل خاصة وأن بعضا من أسلافه الذين عايشوا الحرب العالمية الثانية قد أثاروا شكوكا في مصداقية علاقة الكنيسة بالصراعات السياسية الأوروبية. فارق يوحنا بولس الثاني الدنيا بعد أن انتهت الحرب العالمية الثالثة- الحرب الباردة- وفي رصيده مساهمة إيجابية في تحرير موطنه البولوني باسم مرجعية روحية وأوروبية بامتياز. تلك هي المساهمة الكبرى للحبر الراحل الذي لم يعتبر أن المشكلة في الفصل بين الديني والزمني بل في حرص مفكرين أوروبيين وحركات إيديولوجية على تجاوز الديني نهائيا بحرمان الإنسان من أية مرجعية متعالية.

- الكنيسة بين الأبوّة والعالمية : كانت الحشود الهائلة التي جاءت إلى روما لتوديع البابا الوداع الأخير تعبّر عن تعلّـقها برمز قوي حرص الراحل أن يقدّمه طيلة ربع قرن وخاصة في العقد الأخير من حياته حين ظهرت عليه علامات مرض عضال لم يرد أن يخفيه ولم يقبل أن يُـثنيَه عن رسالته. دافعُ الحب لهذا الأب الحاني والمُبتلـَى يفسر دموع المودّعين من أوروبيين ومن غيرهم. إنه التفاف حول رمز جليّ حريص على إنسانيته خاصة عندما لم يتردد في إعلان خلافه فيما يذهب إليه بعض الشباب وعدد من المقهورين المنادين بمراجعات مهمة في مسائل اجتماعية وسياسية وخلقية. هذا ما حدا بالكثيرين من أوروبا ومن غيرها بل ومن غير المسيحيين أن يعبّروا دون تردد عن حزنهم العميق والصادق عند وفاة البابا. لقد رؤوا في قربه من الشباب ومن المقهورين وفيما كان يصدع به من رأي يعلم مسبقا أنه غير مقبول، رؤوا فيه بعدا إنسانيا وعفوية حبّبته إليهم. لكن مع تلك الحشود الشعبية والشبابية كان هناك كبار المسؤولين الرسميين في الدول الفاعلة الذين جاؤوا يعبرون عن مشاركتهم في العزاء. في خصوص هؤلاء بالذات الأمر يستدعي منا بعض الاهتمام لأن حضورهم بهذه الكثافة يطرح أكثر من سؤال. لقد أعلنت وسائل الإعلام الغربية أن مجيئهم تطلّب احتياطات أمنية مشددة بلغت حد تغطية عسكرية أطلسية لسماء روما فضلا عن أرضها، فلماذا كل هذا الحرص على المشاركة في العزاء؟ إذا كنا لا نستبعد الحرص على المواساة فإن أهم ما يحرك رجال السلطة وصنّاع القرار من المعزّين أمر يتجاوز الراحل إلى المؤسسة التي صاحبته طيلة حياته والتي ستواصل عملها وتأثيرها فيما يلي من الأيام. إن موقع المؤسسة الكاثوليكية يختلف نوعيا عن شخصية رئيسها؛ هي باعتبارها هيأة ذات نظام مستقل ووظائف وقواعد عمل تعبّر عن بناء اجتماعي يحمل دلالة حضارية. من ثم فهي لا تنفك منجذبة نحو المجال السياسي تتقاطع مع بعض مشاغله الكبرى فضلا عن أن رجال السياسة وأصحاب المصالح لا يمكنهم أن يستغنوا عنها رغم حرصهم الشديد على ألاّ تتجاوز المساحات المسموح بخوضها. لذلك فليس من باب التناقض أن نقول إن البابا كان في مسيرته يعبّر عن بعدين غير متطابقين: بعدٌ إيماني خاص به فهو بامتياز المسيحي المندرج في مسيرة تؤكد الفصل بين الديني والزمني وبعدٌ تفرضه المؤسسة الكنسية التي تتحرك على خطوط التماس بين المجال الروحي والقيمي وبين مجال الدنيوي – السياسي. من ثم فإن البابا في بُعده الثاني الكنيسي يوحي أحيانا بأنه منخرط في جوانب من الفعل السياسي، حصل ذلك مثلا في أمريكا الوسطى والجنوبية (هايتي و نيكاراجوا) كما تحقق لرجال دين كاثوليك في إفريقيا السوداء ( رواندا ومذابح التوتسي سنة 1994). لكن هذه الحالات تبقى استثنائية لأنها تعبّر عن مصاعب الكنيسة في مواقع خارج فضائها الرئيسي، الفضاء الأوروبي. في إفريقيا جنوب الصحراء وفي أمريكا اللاتينية وجّهت الكنيسة انتقاداتها لمن خرج عن حيادها الإيجابي الذي التزمت به في أوروبا وذهب بعيدا في توجهه النضالي معبّرا عن يقظة العقل الاجتماعي للمؤسسة. مثل هذا الخروج رفضته الكنيسة في عهد البابا الراحل خاصة بإدانة “لاهوت التحرر” لأنها كانت تدرك أن حرصها على عدم تجاوز مجالها الديني والخلقي الذي قبلته منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر حقق لها مكانة تزايدت أهميتها الأوروبية باطراد خاصة مع إعراض فئات واسعة عن الانخراط في العمل السياسي لتراجع مصداقية قياداته وضعفه في مواجهة المشاغل الكبرى الموكولة إليه. لذلك لم تعمل الكنيسة على تجاوز حيادها الإيجابي الواقي رغم الانتقادات الحادة التي واجهتها في أمريكا اللاتينية وإفريقيا . ثم هي أصرّت على ذلك لعلمها بالمصاعب الموضوعية العديدة التي تحتاج إلى معالجة أكيدة في المواقع الأساسية الثلاثة وفي المساءلات الكبرى المطروحة عليها. في أوروبا الغربية، تواجه الكنيسة في موقعها الرئيس ، حالة من التفصّي عن الالتزامات الطقوسية والرفض لمقولاتها الخلقية والأسرية. لقد تحررت عموم المجتمعات الغربية من التوجهات الكاثوليكية معبرة عن تيار عام يستغني عن مرجعية غيبية ذات صرامة مؤسساتية. تحقق ذلك بعد أن تركزت قيمة الفردانية بشكل شبه مطلق ومعها استقر مفهوم للحياة متناقض تماما لما يدعو إليه رجال الدين. كيف يمكن للكنيسة في عهد البابا الجديد أن تواجه هذا الانقلاب الذي انطلق مع القرن الثامن عشر واستمر بوتيرة متصاعدة مدعوما باكتشافات علمية تطرح تساؤلات متعلقة بالاستنساخ والهندسة الجينية وموت الشفقة والإجهاض؟ ما يتوفر الآن من المعطيات عن حظوظ الكنيسة في عهد البابا الجديد فيما يخص الموقع الأوروبي وتساؤلاته الكبرى لا يوحي بالتغييرات المرتَـقَبة وذلك لتواصل الاعتماد على مقولة : ” الكنيسة حامية الحقيقة “، وهي المقولة التي توكل إلى المؤسسة الدينية وظيفة حراسة العقيدة أي هيمنة مطلقة لرجال اللاهوت المحافظين ومزيدا من الحرص على دعم مصالح فئات مالية و إعلامية ضاغطة. من ثم فإن الكنيسة ستظل مُعْرضة عن مواصلة أهم جوانب التجديد التي انفتح عليها مجمع فاتيكان II في خصوص مكانة الكنيسة وتطورها. هذا ما جعل بعض المجددين من “المتكلمين الأوروبيين” من أمثال ” هانس كونج “Hans Küng و “هنري دولوباك ” Henri de Lubac و “ريمون بانيكار” Raymond Panikar يواجهون انتقادات ومصاعب من قبل كنيسة حريصة على مركزيتها العقدية و التنظيمية ورافضة لأية وظيفة نقدية تجديدية. إن انتخاب البابا الجديد بينديكت XVI المؤتمن على أصول العقيدة والمدافع على القيم التقليدية للكنيسة يدل على أن المؤسسة الكاثوليكية تواصل موقفها الدفاعي الذي كان محتميا في عهد يوحنا بولس الثاني بنجاح البابا الدعوي و الإعلامي. مع الألفية الجديدة ومع أوضاع أوروبية متغيرة تغييرات نوعية فإن التحدي المطروح يتطلب معالجات جريئة لا يمكن أن تغيب على عدد من القائمين على مستقبل الكنيسة في أوروبا. ما يقضّ مضاجع بعض الكرادلة الكاثوليك التقدميين وعدد من المفكرين والمؤرخين والحركات المسيحية المتفتحة يتعلق بضرورة معالجة عميقة وجريئة للمفارقة الأوروبية. هذه المعالجة تتطلب وعيا تاريخيا يدرك طبيعة المرحلة الجديدة التي انخرطت فيها أوروبا فيما سقوط حائط برلين. مثل هذا الوعي يؤدي إلى إعادة النظر في الحياد الإيجابي الكاثوليكي في أوروبا و هو الذي لم يُفهم على وجهه الحقيقي في المرحلة السابقة. لقد تمكنت الكنيسة- مع البابا الراحل- من تحريك الأوضاع في بولونيا الشيوعية لكن ” إيجابية” الكاثوليكية الأوروبية لم تتجاوز حقيقة حدود بولونيا وبدرجة أقل المجرّ وتشيكولوفاكيا. أما ما يُنسب إليها من فضل في إسقاط النظام الشيوعي السوفياتي وإنهاء الحرب الباردة فليس إلا مبالغة وسوء تقدير للأمور. ذلك أن سقوط النظام الشيوعي السوفياتي يرجع بدرجة أولى إلى إفلاس اختياراته الاقتصادية والاجتماعية وإلى تخلّفه التكنولوجي وبدرجة أقل إلى سياسة الولايات المتحدة الصارمة إزاء ” محور الشر” كما أشرف عليها الرئيس الأمريكي الأسبق “رونالد ريغن”. يضاف إلى محدودية ذلك الحياد الإيجابي أن نظر المتدينين في أصقاع الاتحاد السوفياتي وغالب الدول الأوروبية الشرقية إلى كنيسة روما ظلت مشوبة دوما بالعداء لما تمثله الكاثوليكية في نظرهم من ابتداع في النهج المسيحي. من هذه الناحية فإن وحدة المسيحية الأوروبية ظلت شعارا لم تقو الكنيسة في روما على أن تحقق فيه إنجازا يُذكر. من جهة ثالثة فإن ما تؤكده الدراسات الجادة المتعلقة بالمسألة الدينية في أوروبا الغربية تنتهي إلى المفارقة الأوروبية التي يمكن تلخيصها فيما يلي: حاجةٌ أكيدة إلى التديّن دون إقبال خاص على الصياغة الكنسية الكاثوليكية مع تعلّق واضح بالخط العلماني المحايد. ما تثبته عمليات سبر الآراء المتنوعة تفضي إلى سؤال أوروبي مؤرق : كيف يكون القرن الجديد قرن حياة روحية متوثبة غير موصولة بالطقوس الكاثوليكية وغير قاطعة مع قيم الحداثة والعلمانية المحايدة؟ في أمريكا اللاتينية، هذا الموقع الثاني الإستراتيجي للكنيسة، يعيش أكبر عدد من المسيحيين الكاثوليك في العالم ( 44% مقارنة ب27 % في أوروبا الغربية و 11 % في إفريقيا) وفيه تواجه كنيسة روما تحديات كبيرة ومختلفة. هناك إضافة إلى معضلات الفقر والاستبداد السياسي وانتشار الفساد سؤالان مثيران لجدل واسع. الأول لاهوتي عقدي في جانبه الأهم ويحمل اسم ” لاهوت التحرر” البغيض إلى البابا الراحل فضلا عن الجديد. إنه لاهوت يريد تجديد الكنيسة بربط “مشروعه التحرري” بضرورة تحرير المؤسسة الكنسية ذاتها من أسر المناهج القديمة. لا يعبّر اللاهوت الجديد عن واقع متعال عن الإنسان، بل يهتم بتغذية وجوده وربط حضوره “الأرضي” بتطلعه إلى تأسيس “مملكة الرب”. من ثم تبرز أولوية الارتباط بـ”الشعب”، باعتباره تجسيدا حقيقيا “لقيامة المسيح” وتعبيرا عن عدم احتكار المؤسسة الكنسية من قبل رجال الدين. بذلك يتحوّل مفهوم الكنيسة من مؤسسة ومجموع الكتابات المقدسة و تراتبية رجال الدين إلى ما يعتبره منظرو “لاهوت التحرر” العنصر الأهم وهو اعتبار الكنيسة “حدثا” متجددا يجعل وظيفتها خدمة الإنسان، بدل المساهمة في اغترابه. بذلك يتحوّل الإنجيل إلى أداة فاعلة تساهم في تعميق وعي المسيحي بوجوده التاريخي ويضحي الحياد إزاء مشاغل الإنسان وما يحيط به من مظالم” خيانة لرسالة يسوع”. مثل هذا الطرح الذي تميزت به أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن توجّها مَحلّيا بل إن رجال دين أوروبيين وإفريقيين وآسيويين اعتمدوه بصيغ مختلفة. “هانز كونج” الألماني الذي أشرنا إليه آنفا يربط بين الوفاء لرسالة يسوع و ضرورة تخلي الكنيسة عن “عصمة البابا”، كي تفسح مجال “الإبداع” لكافة المؤمنين وكي تمنح الفرصة لمساهمة كل مسيحي في “التبشير بالإنجيل” دون قيود. غيره من كبار الكرادلة الأوروبيين لا يرى في هذا التوجه تسييسا للدين لأنه لا يعترف بوجود نموذج سياسي مستمدّ من “سيرة يسوع” وتلاميذه يكون صالحا لكل زمان ومكان. إنه تأصيل “المحبة بين الناس” بإخضاعها إلى الواقع التاريخي بما يجعل “الهداية ” مُحتضِنَة للإنسان في عمق تجربته الفردية والاجتماعية. هو ضرب من المثاقفة (Inculturation ) التي تتنزل في سياق ” الإلهام ” المسيحي مواكبة لعقيدة التجسّد : إنها الأنسنة الضرورية للإلهام، تتحقق كلما نفذت الهداية إلى فضاء ثقافي مختلف وكلما تحوّلت الرسالة من عصر إلى آخر. ما ينبغي أن نهتمّ به فيما نحن بصدده أن توجه “لاهوت التحرر” ليس تسييسا للدين فهو لا يعترف بوجود “سياسة مسيحية” ناجزة كما يرفض أن يكون لرجال الدين اختيار سياسي يزكّون به حزبا من الأحزاب دون غيره. ما ينتهي إليه هذا الخطاب هو أن رجل الدين في موقفه السياسي لا يعبّر عن اختيار عقديّ يضع الاختيارات الأخرى موضع الاتهام مهددا وحدة المجتمع باسم وصاية متعالية. كذلك فإن الالتزام المدني للمؤمن ليس منفصلا عن الطرق والوسائل التي يشعر المسيحي من خلالها، بانتمائه المركب الديني والمدني. ذلك أن التدين لا يمنع من أن يعبّر المؤمن عن القيم المسيحية من ناحية و عن انتمائه إلى الوطن عبر تعامله مع بقية المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والإيديولوجية. بهذا المعنى يغيّر “لاهوت التحرر” مناهج الكنيسة السائدة معتبرا أنه على رجل الدين أن يتكيّـف مع الحياة المعاصرة بمزيد الإقبال على العالم وعلى الآخر ومزيد من الحد في العلاقة بالسلطة الزمنية. أما السؤال الثاني في أمريكا اللاتينية فيتعلّق بازدياد النفوذ المسيحي البروتستنتي الإنجيلي في العقود الثلاثة المنصرمة بما يهدد سلطة كنيسة روما بصفة جديّة. يحصل هذا في البرازيل ونيكاراغوا والإيكواتور وكوستوريكا؛ فمن 88% من أهالي هذه المناطق كانوا يعلنون انتماءهم إلى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1980 انخفضت النسبة إلى 73% سنة 2000.هذا التحوّل يتم لصالح الكنيسة الإنجيلية الأصولية ذات الاتجاهات المحافظة دينيا واجتماعيا وذات الامكانيات المادية الواسعة والطرق التبشيريةالشعبوية المباشرة. بتضافر هذين العنصرين مع عناصر أخرى يتضح أن مخاطر حقيقية تواجه الكاثوليكية فيما كانت تعتبره مجالا خاصا لا ينازعها فيه منازع. ” قارة الأمل ” تلك تتجه اليوم بحثا عن حلول لمشاكلها الاجتماعية القاسية خارج المقولات التطمينية التقليدية التي ترفض الكنيسة مراجعتها رسميا مما يزيد في احتمال عزلتها وتراجع نفوذها العالمي. إفريقيا جنوب الصحراء هي ثالث المواقع المهمة للكنيسة الكاثوليكية في العالم خاصة باعتبار تزايد عدد الأتباع فيها( تزايد عدد الأفراقة الكاثوليك في الــ 26 سنة الماضية بنسبة 162%) لكن هذا لم يمنع نفس الظاهرة التي رأيناها في أمريكا اللاتينية من البروز والمتمثلة في منافسة الحركات الإنجيلية الأصولية والفرق البروتستانتية الميتودية. ظهر هذا في الكونغو وفي ساحل العاج خاصة. هذه الأخيرة التي كانت موطنا للكاثوليكية دون منازع والتي شيّد الرئيس السابق ” فيليكس هفوات بوايني” كنيسة عظمى” في “ياموسوكرو” على صورة كنيسة الرسول بطرس في روما لكن بسعة أكبر، أصبحت اليوم مفتوحة للتبشير البروتستنتي الأمريكي الواسع بفضل دعم الرئيس الحالي ” لوران باقبو” المنافس السياسي للرئيس العاجي السابق. هل تدلّ هذه الظاهرة على فشل الفصل بين الديني والزمني في المشهد الكاثوليكي الإفريقي؟ لا يظهر أن مسيرة الكنيسة الكاثوليكية في السياق الإفريقي يتجه إلى مراجعة الفصل. ما كنا قد ألمعنا إليه أثناء الحديث عن أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية يؤكد أن الكنيسة الكاثوليكية تتحرك على تخوم الحياة السياسية دون أن تسعى إلى اقتحامها ومحاولة افتكاكها. في إفريقيا السوداء نجد نفس هذا التوجه مع حضور عناصر مشتركة مع ما يتميّز به الوضع في أمريكا اللاتينية وبعضها خاص بالسياق الإفريقي. لكن التحولات الإفريقية تظل في جملتها مفضية إلى تمايز الديني عن الزمني وضرورة إحداث جدل بين الفكر الديني والمجال الثقافي والاجتماعي. من ناحية أولى يوجد لدى النخب الكاثوليكية وبعض رجال الدين الأفارقة اقتناع بأن الذهنية الأوروبية الغربية ما تزال مهيمنة على الكنائس الإفريقية في المستوى العملي. هذا ما صرح به مثلا القس الكامروني “جان مارك إيلا ” وهو يعالج ضعف المواجهة الكاثوليكية للتحديات الكبرى التي يعيشها الإفريقي حين يجابه المجاعة و الأمراض والأنظمة العسكرية المتسلطة. نفس التعطل يظهر حين يقع التأكيد على أن رجل الدين الأسود ينبغى أن يبقى أعزب أو حين يرفض مبدأ تعدد الزوجات في مجتمعات تولي المسألة العائلية والإنجاب أهمية قصوى . تثار هذه المركزية الأوروبية من قبل رجال الدين الكاثوليك الأفارقة عند معالجة المسائل العقدية والفكرية. لذلك ندرك صعوبة التناغم في حوار بين الكاردينال ” قودفروا دانيل” كبير أساقفة مدينة بروكسال / بلجيكا حين خاطبه نظير إفريقي في أحد مجامع روما قائلا: “إنكم تسعون إلى الخراب في أوروبا، لقد ضاع الإيمان أو كاد وأنتم لا تحركون ساكنا. يجيب الكاردينال الأوروبي: “سيصيبكم ما أصابنا في بضع سنين، عندها وعندما تجتاحكم العلمنة أرجوك اتصل هاتفيا لأساعدك فتجربتنا ستفيدك دون شك.” في مواجهة هذه “الأبوية الأوروبية” التي لا تتردد في تركيز مقولة وحدة مسالك التاريخ البشري ومطابقتها للتاريخ الأوروبي تتصاعد نداءات إفريقية ملحّة لقساوسة يدعون إلى مجمع كنائسي إفريقي خاص يعطي أولوية للثقافة الزنجية باسم المثاقفة(inculturation ). هذه التبيئة للرسالة المسيحية الكاثوليكة رغم ما تجده من تحفظ من قبل آباء الكنيسة في روما فإنها عوملت بكثير من الاعتدال مقارنة بما لقيه خطاب “لاهوت التحرر” في جنوب أمريكا من إدانة صارمة. لذلك قال البابا الراحل لدعاة المثاقفة : “تأفرقوا لكن لا تنسوا الرسالة العالمية للمسيحية”. تفسير هذا التوجه المتسامح يقدمه الكردينال دانيل البلجيكي حين اعتبر أن الثقافات الإفريقية تعبّر عن حالة فطرية، إنها لم تتصلّب بعد لذلك لا يُخشى على العقائد المسيحة عند غرسها من الاندثار، إشارة إلى مثاقفة كاثوليكية عسيرة في آسيا ومرفوضة في أمريكا اللاتينية. ثم هناك المنافسة الأخرى في إفريقيا وهي المتعلقة بالإسلام وانتشاره الواضح إزاء التوسع المسيحي العام. لكن رسالة الإسلام في إفريقيا وإن كانت تنمو بسرعة أكبر- في الخمسين سنة الأخيرة تزايد عدد المسلمين الأفارقة بنسبة تفوق 235 % – فإن المعضلةالإسلامية مزدوجة. من جهة: لم تحسم طابعَها الإفريقي مما يفسر بروز صراعات داخلية لا تخلو من حدة في بعض المناطق بين السنة والشيعة أو بين السلفية والطرقية و صراعات اجتماعية ذات دلالات ثقافية وعقدية موصولة بالإحيائية القديمة. من جهة ثانية فالمسلمون الأفارقة – مثل غيرهم من المسلمين العرب – لم يتوصلوا بعد إلى معالجة معاصرة للبعد العالمي لعقيدة التوحيد لديهم أي أنه لم يتمَّ تأصيل إيمانهم في سياق قبول التعدد. مثل هذا التعطّل لا يساعد الطرف المسيحي الكاثوليكي في إفريقيا حين يُقبل على الحوار مع المسلمين؛ إنه لا يجد طرفا ندّا مقابلا هذا فضلا عما يجده من تعنّت في الجهات المسيحية الرافضة لهذا الحوار أصلا.

- المسلمون والمصير الأوروبي : ما دعانا إلى هذا التفصيل أمران: أولا الإجابة عن السؤال- المحور : هل يوجد في المسيرة الكاثوليكية ما يدعم تهافت مقولة الفصل بين الديني والزمني؟ ما انتهينا إليه يثبت أن البابا الراحل وما صاغته المؤسسة الكنسية في عهده أفضيا إلى بلورة مساءلة كبرى منفصلة نوعيا عن الوضعية التقليدية للدين ولمؤسسته الكنسية. إنها تعتني بالإجابة عن : كيف يكون الدين في خدمة المتدين في العالم المعاصر؟ من ثم فإن أهمية الدرس الكاثوليكي في إبراز أن العلاقة بين الديني والزمني هي علاقة ذات طابع إشكالي أي أنها لا تمتلك إجابة نهائية واحدة. خلاصة ما يمكن أن توقفنا عنده الخصوصيات اللاتينية والإفريقية والتي كان يمكن أن نواصلها بتحليل تجربة الكنيسة الكاثوليكية في الفضاء العربي والآسيوي هو أن خدمة المتديّن لا تلغي وجوده التاريخي ولا تقفز فوق مقتضيات ذلك الوجود المعرفية والاجتماعية. لكن نفس تلك الخدمة تقتضي الحرص على حيوية الفكر الديني وواقعيته بما يتطلبه من إصلاح مسترسل وبما يقتضيه من تمايز يحول دون أن تصبح الدولة مقدّسة أو أن يكون الدين إيديولوجية وإجابات محددة لمشاغل المجتمع المختلفة . إضافة إلى هذا فما يحفز على متابعة التجربة الكاثوليكية في العصر الحديث هو تقويمها ليس بقصد استنساخها ولكن لإدراك الخصوصيات العربية الإسلامية التي وقع إرساؤها في خصوص علاقة الديني بالزمني. الجدل المسيحي المعاصر مهمّ لأنه يعين العالم العربي الإسلامي على التوصّل إلى أن ما وقع تكريسه منذ قرون يختلف في أكثر من جانب عما تحقق في الفضاء الأوروبي لكنه يظل قادرا على المساعدة في نمو الفكر الديني. هو ضرب من العمل المقارن يكشف جوانب مميزة لا مناص من إبرازها لكل من أراد أن يصوغ فكرا فاعلا ومستقبليا. من هذه المقارنة التباينية يتضح مثلا أن ما يذهب إليه بعض الإسلاميين من تجاوز المذاهب الفقهية والكلامية والعودة المباشرة إلى النصوص المؤسسة ليس إلا سعيا لشطب ذاكرة الجماعة واقتحام النصوص بلا خبرة فهم ولا ذكاء تطبيق. مثل هذا الاختيار قطيعة أخرى، لا تختلف مع نتائج قطيعة التحديثيين، إذ لا يمكن أن تتيح الوصول إلى حلول مختلفة عما وقع إنجازه ماضيا ومتميزة عما وقع التوصل إليه من قبل الآخرين حاضرا. في مستوى ثان تساعد التجربة الكاثوليكية في تنوّعها على فهم تعطّل فكرنا الإصلاحي في المجال السياسي والاجتماعي. لقد تمّ عندنا استبعاد الفقهاء عن مشروع الدولة الحديثة القومية (تركيا) أو القطرية الوطنية (البلاد العربية) لأن تلك التجارب التحديثية لم تكن تسعى إلى البحث عن مشروعيتها من الداخل الثقافي ومن تفعيل الخبرات التاريخية والفكرية. كانت تلك التجارب، سواء أأعلنت مواقف عدائية من الإسلام وتراثه أم استخدمت تصورات تقليدية للإسلام، تدفع بالفكرالإسلامي إلى الضمور والتراجع إلى مواقف محافظة ودفاعية لا تتمكن من بلورة طروحات مواكبة للمستجدات الثقافية والاجتماعية. بذلك انطبع الأداء السياسي في الفضاء العربي الإسلامي إما بصبغة حداثية غير مبدعة أو بمحافظة تقليدية عشائرية. لكنه ظل في الحالتين قائما على قهرالمجتمع الأهلي وعاجزا عن الانخراط فاعل في العصر. نحن، في الختام، معنيون بتجربة المسيحية الأوروبية المعاصرة لأنها في جدلها الحديث تسعى بطريقتها إلى الإجابة عن مشغل يؤرق الفكر الإسلامي في تناوله لعلاقة الخصوصية بالعالمية اليوم. في هذا المستوى يبرز لنا ثراء الحاضر الأوروبي حالَ مباشرته لهذه الإشكالية في جانبها العملي. يظهر هذا جليا في بناء الاتحاد الأوروبي وخاصة في قضية انضمام تركيا إلى الاتحاد. لقد أثبتت متابعة الجدل الواسع حول هذين الأمرين المرتبطين بالمصير الأوروبي أن المرجعية الدينية المسيحية تعالج هذا الشأن بطريقتين متباينتين. الأولى حمائية ماضوية، مسكونة بحروب الماضي ومخاوفه، تخلط بين السياسة والدين وترى أن دخول تركيا ذات التزايد السكاني المرتفع وذات الخصوصيات الثقافية والدينية الإسلامية خطر داهم على مستقبل الاتحاد الأوروبي. لذلك فهي ترى الحل في انعزال كلٌ في حدوده الثقافية والدينية. الطريقة الثانية تقر بأن المصير الأوروبي لا يمكن أن يقوم دون ذاكرة لكنها تعتبر أن الاتحاد الأوروبي ليس ناديا مسيحيا مغلقا. إنها ترى في انضمام الأتراك المسلمين إلى الاتحاد إثراء للمصير الأوروبي لأنه إثبات لتهافت مقولة صراع الثقافات عمليا، تلك المقولة التي لا تصمد لأي تحليل تاريخي دقيق. ندرك أهمية هذه الطريقة الثانية حين نتابع مسيرة وجه “مسيحي” ملتزم بالديمقراطية وبالمصير الأوروبي عبرإعادة بناء المنظومة الثقافية للمجتمع الفرنسي بما يحقق إنتاجا متناسبا مع مقتضيات العصر. يقول “جاك دولور”(Jacques Delors) عن مستقبل أوروبا: ” لن تتّحِد أوروبا إلا إذا ارتكزت على قوّة إيمانية تجمع شتاتها”. لكنه يضيف ” إن أوروبا لن تبنى ضد أحد، إنها ستبنى لأنها ستحقق رؤية جديدة للعلاقة بين الشعوب”. مثل هذا التوجه للزعيم الفرنسي الاشتراكي يعني أنّ وظيفة الدين ليست تحديد المعالم السياسية والاجتماعية للاتحاد الأوروبي المستقبلي بل إن وظيفته ضبط القيم التي تحفظ الاجتماع الأوروبي وتساهم في صياغة شبكة ارتكاز منظومته الفكرية والتصورية المنفتحة على الآخر. أما إذا اقتصر أمر أوروبا المستقبلية على تكديس الثروات المادية في حدود جغرافية فإن الهزيمة منكرة لأن الهوية الأوروبية تكون عندئذ أعجز عن تمثل تراثها تمثلا إيجابيا وأضعف من أن تتصدى لمن يريد بها سوءا. هذا الجدل قاد “دولور” مع غيره إلى اتخاذ موقف مؤيد لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأن هذا الانضمام يقود إلى مصالحة المجتمع الفرنسي مع نفسه بمواكبة مقتضيات اللحظة التاريخية. في الجانب الآخر ظهرت أصوات مختلفة ومن مواقع سياسية متباينة ترفض الانضمام لجملة من الاعتبارات من بينها التباين الثقافي الديني. هما تصوران للهوية الأوربية وللمستقبل أحدُهما يرمي إلى إنشاء فضاء تبادل اقتصادي ومالي حر و محميّ يقوم على تصورات قومية – دينية قريبة من التي سادت في القرن التاسع عشر . أما الثاني فهو يعتبر الهوية في تشكّلٌ دائم مهمتها في السياق العولمي بناءُ تجمّع سياسي مفتوح وحامل لجملة من القيم والتوجهات الانسانية. ما نود أن ننهي عليه هو أن النخب المسلمة يمكنها الانخراط في هذه الخيارات المستقبلية لكن بشرطين أولهما قبول المراجعات الصعبة التي يفضي إليها الحوار مع الآخر المختلف، ثُانيهما عدم النظر إلى الآخرين على أنهم كتل صماء لا يخترقها أي حراك ولا يبرز فيها أيّ تنوّع. لقد اعتبر الكاردينال يوسف راتسنقار، البابا الجديد، حين سئل عن موقفه من موضوع تركيا أن ” انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قرار مضاد للتاريخ” ثم قال معللا إن” الديانة التي تنخرط في العالم لا بد أن تصبح مهمشة” . لكن هذا لا ينبغي أن ينسينا موقف كرادلة آخرين من بينهم كبير أساقفة مرسيليا /فرنسا “برنار بانافيو ” الذي صرح قبيل انتخاب البابا الجديد: “’إن مهمتنا الأساسية هي الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها العالم المعاصر على كنيسة اليوم”. هذا هو واقع الكنيسة اليوم نحتاج في فهمه والتعامل معه إلى شَرطيْ المراجعة والفكر التاريخي للوقوف على الصورة الكاملة وللمساهمة في خروج حاسم للعالم العربي الإسلامي من شكوكه الظنيّة وأحكامه السهلة وتردده في التجديد بما يحوّل المسلمين إلى طاقة إبداع لذاتهم وللعالم من حولهم.

احميده النيفر كاتب وجامعي من تونس، عضو فريق البحث الإسلامي المسيحي GRIC بفرنسا.

A lire également

Sorry, the comment form is closed at this time.