Juin 182012
 

تتزايد العناية منذ سنوات باللقاءات الحوارية بين مسلمين ومسيحيين في الفضاء العربي الإسلامي مواكبة لاهتمامات أقدم بحواريات دولية في بلاد الغرب. ما شجّع الجانب المسلم على مثل هذا النشاط الثقافي والفكري والإعلامي هو السعي الحثيث لتلافي التداعيات المشوهة لصورة الإسلام والمسلمين نتيجة أحداث سبتمبر الفاجعة وما تلاها من أعمال عنف دموي في أنحاء من العالَم نُسبت دائما إلى حركيين إسلاميين. قبل هذا لم تكن هناك لدى عموم المسلمين رغبة حقيقية في الحوار, ما جعل أحد كبار علماء اللاهوت الكاثوليك المعاصرين يقول في مزاح أقرب إلى الجِدّ «ليس للمسلمين مِزاجٌ للحوار». اليوم أصبح واضحا أن مزاج المسلمين بخصوص الحوار بين المؤمنين قد أخذ منحى آخر يمكن أن يتطور بصورة فاعلة. عند البحث عن أسباب هذا التحوّل في «مزاج المسلمين» نجد على الأقل ثلاثة عوامل أساسية:
 إدراك أن العالَم بأسره، باختلافات جزئية وظرفية، يتجه أكثر فأكثر للعيش ضمن حضارة واحدة، حضارة العلم والتكنولوجيا والتواصل وأن المجتمعات البشرية عاجزة عن إمكانية الهروب إلى منظومة حضارية أخرى. لكن القول بحضارة واحدة للبشرية لا يلغي تعدد ثقافاتها ومعتقداتها بل يستدعي تحصين ذلك التعدد لما يمثله من طاقات وبدائل حمائية للمستقبل تمكّنها من قدرات مناعة وحيوية لا قِبَلَ لأحد أن يستغني عنها.
 اقتناع متزايد لدى عدد من المسلمين بأن توالي تعبيرات الاستهجان لهم ولدينهم وحملات التشويه المتَعَمَّد لا تجدي معها ردود الفعل الغاضبة. لقد ثبت أنّها الردود التي يعمل أقصى اليمين الأوروبي خاصة لاستثارتها باستمرار للحطّ من مكانة الإسلام والمسلمين وإثبات المقولات العنصرية التوسعية. لذلك أضحى لزاما على المسلمين مواجهة جهل الآخرين أو سوء نياتهم بإرساء سياسة مدروسة ومعقلنة قائمة على خطاب يراعي مقتضيات التعدد الثقافي وما يمكن أن ينجر عنه من تفاعل أو تنابذ.
 الوقوف على حقيقة تاريخية طالما وقع ترديدها لكنها أصبحت واقعا معيشيا وتحديّا مباشرا: إنّه الحضور العالمي للإسلام. لم تعد العالمية شعارا بعيد المنال بل غدت وضعا قائما بالفعل يطالب المسلمين بإنتاجٍ يعبِّر عن تأهّلهم الثقافي الذي يجعلهم في مستوى التفاعل مع الحضارة الصاعدة. ضمن هذا التحدي الجديد يعمل بعض المفكرين في الغرب من جهتهم لتركيز مبدأ «الإسلام شريكا» أو داعين إلى «الدفاع عن مقولة الحضارة الإسلامية- المسيحية». من تآلف هذه العناصر الثلاثة مع عناصر أخرى سياسية واقتصادية واستراتيجية أصبح جليّا أن للمسلمين حظوظا تتيح لهم، إن أرادوا، مساهمةً نديّة لمعالجة القضايا الحضارية والسياسية في العالم. ما تَكشَّف يوما بعد يوم هو أن الغرب ليس كُتلةَ عِداءٍ صماء وأن هناك أطرافا لا تعتقد في جدوى القول إن الإسلام معضلةٌ معاصرة لا يمكن حلُّها وأنّه خطر ماحق للحضارة والحريّة والإبداع. ما تسعى إليه هذه الأطراف بجرأة هو السير في اتجاه معاكس للذين يستبعدون مساهمة المسلمين المسؤولة بادعاء فقدانهم المقدرة والكفاءة على مواكبة مقتضيات اللحظة التاريخية. ضمن هذا السياق أصبح للحوار مع المسيحيين خاصة معنى جديد تمثّل في مزيد من الانفتاح على الطوائف المسيحية المختلفة عبر جملة قرارات ولقاءات عربية هامّة. يتأكد هذا عند النظر في تطوّر وضع المسيحيين في منطقة الخليج وما أمكن تحقيقه لفائدتهم في السنوات القليلة الماضية من حياة دينية سويّة وعلنيّة أتاحت لهم ممارسة عباداتهم وإقامة طقوسهم سواء أكانوا أصليين أم وافدين. بدأ هذا الانفتاح في البحرين ببناء أول كنيسة تابعة لإنجيليين أميركيين وانتهى في قطر هذا العام بافتتاح أول كنيسة كاثوليكية في الدوحة في أبريل الماضي. بين هذا وذاك توفرت في الكويت والإمارات وعُمان لعموم الطوائف المسيحية الشرقية والغربية حرية العبادة لكن مع حظر أيّ نشاط تنصيري. إلى جانب هذا فقد اعتنت قطر بالحوار الإسلامي المسيحي منذ سنوات ثم أقامت لمتابعة هذا المسعى مركزا لحوار الأديان. أما المملكة العربية السعودية قد ظلت لسنوات المتحفِّظ الوحيد في المنطقة على هذا التمشي التواصلي مع المسيحيين إلى أن أنهت زيارة الملك عبدالله حاضرةَ الفاتيكان ولقاؤه بالبابا، نوفمبر الماضي، هذه القطيعة بصورة رسمية. تمّت بعد ذلك مشاورات حثيثة مع علماء المملكة تُوِّجت بمؤتمر مكة الإسلامي لحوار الأديان وبمساهمة بارزة وإيجابية للمفتي العام للمملكة العربية السعودية. أكسب انطلاقُ هذا التوجّه الجديد من مكة المكرّمة وبإشراف رابطة العالم الإسلامي الحدثَ تميّزا ومصداقية خاصين نظرا للمكانة التي تنفرد بها أم القرى بين سائر مدن العالم الإسلامي ونظرا لقيمتها الروحية والرمزية لدى عموم المسلمين. لكن هذه الاختيارات العربية، على أهميتها، لن تؤدي بصورة آلية إلى تغيير فوري لمواقف رافضة للحوار. ما أكدته بعض التصريحات وما أفاد به عدد ممن ساهم في هذه الندوات الحوارية وخاصة مؤتمر مكة المكرّمة يدل على أن الاختيار الحواري سيواجه صعوبات جَمّة تتطلب المصابرة ومعالجة متأنية وموضوعية. لابد لذلك من العمل على تقديم إجابات عن الأسئلة الأساسية التي تضع اختيار الحوار في منظور معاصر. من هذه الأسئلة يمكن أن نذكر:
 ما الذي يجعل مسألة الحوار الديني مدخلا مؤثرا يمكِّن من وعي بديل؟
 كيف يمكن لهذا الحوار أن يساهم في تحصين الأمة المسلمة التي انغمست في عزلة فكرية وحضارية؟
 كيف يتيح الحوار تجاوز خطاب العنف والإقصاء المدمرين لذات المسلمين وثقافتهم ومستقبلهم؟ محصلة ما انخرطت فيه جهات عربية إسلامية بخصوص العلاقة مع غير المسلمين وخاصة في مؤتمر مكة توحي بإمكانية انطلاق مرحلة غير تقليدية للتواصل والتفاعل بين المؤمنين من شتى المعتقدات. لو اقتصرنا على بعض ما وقع استخدامه في هذه اللقاءات من مفاهيم ومصطلحات حديثة كانت إلى عهد قريب مرفوضة ومدانة لأمكن القول إن «مزاج المسلمين» أصبح أكثر استساغة للحوار لأنه بدأ يدرك ضرورة خطاب عالمي لثقافته الإسلامية. أن يتناول الحديث تركيز الحوار على «المشترك الإنساني» ويتم الإقرار بأن الاختلاف بين الأمم والشعوب وتمايزهم في معتقداتهم وثقافاتهم «واقع بإرادة الله ووفق حكمته البالغة» وأن يتم الاعتراف بأن لدى أتباع الديانات الأخرى «رؤى وأفكارا لا يمكن تجاهلها تجاه التحديات المعاصرة»، التصريح بمثل هذا في محافل علمية للمسلمين حدث هام. إنه إيذان ببداية تغيّر في نظرة المسلم لنفسه وللعالَم. هي البداية السليمة لمواجهة العنف وأحادية الفكر، ذلك أن العنف ممارسةٌ تقوم على رؤية سكونية للعالَم وثقافة متمركزة على الذات تحتكر خلاص الإنسانية لاعتقادها أن حلول مشاكل الحاضر متوفرة لديها في تجاربها الماضية. حين يقع إقلاعٌ عن ثقافة تقول إن التاريخ يعيد نفسه وإن الماضي مستوعِب لكل قادم، لتستبدل بمقولة «القواسم المشتركة» وتقدير التعددية الثقافية لبني الإنسان، عند ذاك يمكن أن يبدأ حوار حقيقي. هو حوار بين مؤمنين مختلفين يقتضي قبل كل شيء إنصاتا وإثراء متبادلين لأن مشروعية الحوار بين بني الإنسان قائمة على ذلك السعي الذي لا ينقطع إلى الحقيقة لأنه ليس ثمة معرفة بشرية تكون كاملة ومكتملة وأنّه لا يحق لطرف أن يدعي امتلاك ناصية الحقيقة. • كاتب تونسي