Juin 132012
 

الشيخ محمد نقري مدير عام دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية

أن نحب مريم عليها السلام فلأن مريم أحبت الله ، وأن نحب مريم فلاننا نحن مسلمين ومسيحيين نحب الله ، وأن نحب مريم فلأن الله أحبنا . فلا يدخل حب مريم في قلب مؤمن بالله إلا وكانت المحبة والعبادة الخالصة لله تعالى هما المحرك الأقوى لهذا الحب، ولا يدخل كرهها في قلب إنسان إلا وكان البعد عن الإيمان والدعوة إلى نبذ العفة والطهارة وتغليب الشهوة والأنانية هم الدافع الأساسي لهذا الكره.

أن نحب مريم عليها السلام فلأن مريم أحبت الله ، وأن نحب مريم فلاننا نحن مسلمين ومسيحيين نحب الله ، وأن نحب مريم فلأن الله أحبنا . فلا يدخل حب مريم في قلب مؤمن بالله إلا وكانت المحبة والعبادة الخالصة لله تعالى هما المحرك الأقوى لهذا الحب، ولا يدخل كرهها في قلب إنسان إلا وكان البعد عن الإيمان والدعوة إلى نبذ العفة والطهارة وتغليب الشهوة والأنانية هم الدافع الأساسي لهذا الكره. أن تحب مريم فلأنك تعترف بأن تمام الإخلاص والحب والتعبد لا يكون من الإنسان الا باتجاه الخالق فإن وصل المخلوق إلى هذه المرتبة بادله الله تعالى حبا وإخلاصاً أكبر من حبه وإخلاصه له. في حديث قدسي يقول الله فيه مخاطباً الإنسان : ” أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرني : فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملإِ ذكرته في ملإ خير منهم وإن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتانى يمشى أتيته هرولة.” ولأنه سبق في علم الله الأزلي أن مريم عليها السلام ستصل إلى مرتبة الكمال في العبودية والحب والتبتل إلى الله فقد اصطفاها الله لتكون في خدمته وسخرها لتكون في عبادته منذ ولادتها وهو أمر لم يحصل لأي امرأة على الأطلاق من قبلها. واصطفاها الله بعد ذلك بأن أسمعها بشارة الملك جبريل لها بأنه سيولد من روح الله وبمقتضى كلمته وبدون أي علاقة مع أي بشر ابن لها هو المسيح عليه السلام فكان كلامها مع الملك جبريل دون أي حاجز أو عائق سابقة لم تحظ بها من قبلها ولا من بعدها أي أمرأة على الإطلاق أيضاً. وبعد أن اصطفاها الله لهذا الأمر طهرها بأن برأها من اتهام اليهود لها بابشع ما تناله المرأة من اتهام وطعن في شرفها وعفتها، بل وطهرها أيضاً من كل دنس ومن كل معصية. فكانت هذه الطهارة لصيقة لها منذ ولادتها وكانت إعاذتها من الشيطان لها منذ تلك اللحظة التي ولدت فيها تحميها وتحرسها هي وابنها المسيح عليهما السلام وهذا ما أخبرنا به القرآن الكريم حين ذكر دعاء والدتها حنة لها حين ولادتها : ” وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم “. وتصديقا لما قاله النبي محمد عليه الصلاة والسلام : ” كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها عيسى ” . إصطفاها الله وطهرها ثم اصطفاها مرة أخرى على نساء العالمين وجعلها في أعلى المراتب في الجنة لتكون سيدة نساء أهل الجنة على الإطلاق ، ويؤيد هذا التفسير ما روي عن رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث روته زوجته عائشة رضي الله عنها إذ ذكرت بأنه عندما حضرت الوفاة رسول الله تحدث مع ابنته فاطمة رضي الله عنها كلاماً فبكت له فاطمة ثم ضحكت ، فسألتها السيدة عائشة عن ذلك ، فقالت لها : ” أخبرني رسول الله أنه يموت فبكيت ، ثم أخبرني بأنني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران ، فضحكت “. إن كانت هذه هي مريم أمنا جميعاً في المحبة والتبتل والإخلاص لله تعالى نشترك نحن المؤمنون مسلمون ومسيحيون بمحبتها وطهارتها وصدقها، بل ونشترك بمحبة ابنها المسيح عليه السلام، يسرنا ما نسمعه عنهما وما نقرأه من محبة المؤمنين لهما ويسعدنا ما نلحظه من تكريم وتبجيل لذكرهما ويسيئنا ما تتناوله الأقلام الحاقدة وغير المؤمنة عنهما ويعتصرنا الألم لسماعنا ما يؤذي ذكراهما ويشكك في طهارتهما وينال من سيرتهما سواء في الكتب أو في الأفلام أو في الأغاني . إن كانت هذه أمنا مريم الجامعة أفلا نشترك جميعاً بإحياء ذكراها وبذكرى بشارة الملك جبريل لها بأنه سيولد منها ابن هو من روح الله و بمقتضى كلمة الله المتمثلة في القدرة الإلهية بالكاف والنون ” كن “. إن كنا نفتخر دائماً ومهما كانت الصعاب بأن لبنان هو” رسالة ” أي رسالة الإسلام والمسيحية مجتمعين إلى العالم أفلا تكون مريم هي من تجمعنا وهي الأم التي تلمنا مسلمين ومسيحيين. لقد آليت على نفسي منذ سنين عديدة أن أسير على هذا النهج المريمي الجامع مؤمناً بأنه بمثل هذا اللقاء المشترك حول سيدتنا مريم يشع نور لبنان إلى العالم ، ويكون مثلاً يحتذى في العيش الواحد الإسلامي المسيحي . ولأن كنت أحرص في كل لقاء وفي كل مؤتمر على الدعوة بأن يحتفل المسلمون والمسيحيون بذكرى بشارة الملك جبريل لسيدتنا مريم ، فإن دعوتي التي وجهتها في شهر آذار الفائت إلى لجنة الحوار الإسلامي المسيحي وإلى أميني عامها الإستاذ محمد السماك والأستاذ حارس شهاب يوم الإحتفال بهذه المناسبة ، للسعي أمام المسؤولين في الدولة ليكون يوم الخامس والعشرين من آذار يوم اللقاء الإسلامي – المسيحي حول سيدتنا مريم عليها السلام مناسبة جامعة لعيد وطني جامع، فإن هذه الدعوة التي حملها بكل حماس وبكل إيمان بمعانيها أمين عام لجنة الحوار الإسلامي المسيحي الأستاذ محمد السماك إلى دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة، قد تمت الإستجابة لها ولقت ترحيبا من قبل دولته حيث توافقا على أن تكون هذه المناسبة يوم عيد للبنانين جميعا بمسلميهم ومسيحييهم . إذا كان للأم عيد تحتفل به الأسرة وللمعلم عيد تحتفل به المدرسة، وللأستقلال عيد يحتفل به الوطن، وللإسلام عيد يحتفلون به المسلمون، وللمسيحية عيد يحتفل به المسيحيون ، أفلا يكون لنا مسلمين ومسيحيين مجتمعين عيد مشترك نحتفل به بمناسبة نجمع عليها كافة ، ومن مثل العذراء مريم أمنا جميعاً في المحبة والتضحية والطاعة أفضل وأرقى من يحتفل به لهكذا مناسبة. شكرنا كبير جداً نحن اعضاء اللقاء الإسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم، بكبر هذه المناسبة التي سنحتفل يها سنويا في 25 آذار إلى لجنة الحوار الإسلامي المسيحي وخاصة إلى رائد الحوار الإسلامي المسيحي الأستاذ محمد السماك وإلى دولة رئيس مجلس الوزراء وإلى كافة الوزراء وإلى فخامة رئيس الجمهورية بتكريسهم هذا العيد – ذكرى بشارة الملك جبريل إلى السيدة مريم – عيداً وطنياً جامعاً لكافة اللبنانيين ، متمنين أن يصبح كذلك عيداً لكافة المسلمين والمسيحيين في العالم. في كل مناسبة تجمعنا في هذا العيد سنقف سوياً : كهنة وآباء كنيسة وعلماء دين مسلمين وجموع المؤمنين من كلا الدينين لنستمع خاشعين إلى سورة مريم وإلى آيات القرآن الكريم التي تتكلم عن هذه البشارة ، وإلى الإنجيل المقدس وإلى التواشيح الدينية الإسلامية والترانيم المسيحية، وسيتلو علينا أحد علماء الدين المسلمين وأحد الآباء المسيحيين دعاءً مشتركاً عن سيدتنا مريم، ضارعين إلى الله تعالى أن يحفظ لنا لبنان الواحد والمتنوع، وسنهتف بكل خشوع : السلام عليك يامريم يوم ولدت، والسلام عليك يامريم يوم مت، والسلام عليك يا مريم يوم تبعثين حية ويوم تصبحين سيدة نساء أهل الجنة كما أنت سيدة نساء أهل الكون جميعاً.