Mar 232012
 

لم يكد يمرّ على سقوط غرناطة آخر حواضر المسلمين في الأندلس أكثر من ثمانية أشهر حتى أبحرت ثلاثة سفن إسبانيّة من ميناء ” بورتو” على المحيط متّجهة غربا قصد الوصول إلى أقاصي آسيا في أجرأ محاولة اكتشاف يقوم بها بحّارة أوروبيون بعيدا عن المسالك المعروفة آنذاك. ليست هناك صلة ترابط أو علاقة سببية بين اكتشاف العالم الجديد على يد ” كولمبوس” وبين تسليم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر مفاتيح حاضرة مملكته إلى أعدائه. مع ذلك فأنْ تخوض أوروبا عباب بحر الظلمات في ذات السنة التي ينتهي فيها الحضور الإسلامي من الغرب الوسيط، مثل هذا التزامن يحتاج إلى تمعّن.

- 1- مَن ليس في زيادة فهو إلى نقصان

لم يكد يمرّ على سقوط غرناطة آخر حواضر المسلمين في الأندلس أكثر من ثمانية أشهر حتى أبحرت ثلاثة سفن إسبانيّة من ميناء ” بورتو” على المحيط متّجهة غربا قصد الوصول إلى أقاصي آسيا في أجرأ محاولة اكتشاف يقوم بها بحّارة أوروبيون بعيدا عن المسالك المعروفة آنذاك. ليست هناك صلة ترابط أو علاقة سببية بين اكتشاف العالم الجديد على يد ” كولمبوس” وبين تسليم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر مفاتيح حاضرة مملكته إلى أعدائه. مع ذلك فأنْ تخوض أوروبا عباب بحر الظلمات في ذات السنة التي ينتهي فيها الحضور الإسلامي من الغرب الوسيط، مثل هذا التزامن يحتاج إلى تمعّن. كان العقد الأخير من القرن التاسع الهجري ( 897هــ) و نظيرُه من القرن الخامس عشر للميلاد ( 1492م) عقدَ مفارقةٍ كبرى إذ أنّه كان شاهدا على لحظة تاريخية فاصلة بين انهيار فاجع للغرب الإسلامي و بزوغ تباشير عصر جديد للغرب الأوروبي. كانت لحظة حاسمة شهدت تزامنا بين مدٍّ وجزر. كان جزرا بانطفاء أضواء الحضارة العربية الإسلامية في أوروبا الغربية بعد هزائم مُنكرة أفضت إلى انحسار عالَم المسلمين. قابل ذلك مدٌّ تجاوز حدود الفضاء القديم ليقف على عالَم جديد بأهواله و مآسيه و بما أتاحه من إمكانات هائلة للحراك والتجديد. ما نريد أن نتوقف عنده هو: كيف تمثّل الطرفان –المسلمُ المغربي و المسيحي الأوربي- هذه اللحظة الفارقة؟ للمساعدة على الإجابة يبرز كاتبان عاشا تلك الفترة وعبّر كلّ منهما من موقعه عن رؤية ووعي مميّزين. بمقارنة المقاربتين يمكن الإمساك ببعض معالم هذا المفصل من التاريخ الذي كثيرا ما تتفلَّتُ معانيه لِما لخطواته الوئيدة من “مخاتلة”. الكاتب الأوّل هو أبو العباس الونشريسي ( تــ 914/ 1508) مؤلّفُ “المعيار المُعرب ” ومحررُ رسالة عَنوَنها بـ” أسنى المتاجر في بيان أحكام من غَلب على وطنه النصارى ولم يهاجر “. أما الثاني فهو لاهوتي إسباني: ” فرنشسكو دي فيتوريا”((De Vitoria (1483-1546) صاحب كتاب “درسٌ عن الهنود وحق الحرب”؛ كان له موقف من الحدث المفصلي وقولٌ فيما يتوجّب على العالم القديم من مراجعات وضوابط نتيجة توسّع فضاء سلطانه. ألّف صاحب ” أسنى المتاجر ” رسالتَه جوابا عن استفتاء يتعلّق بالأندلسيين المسلمين الذين ارتضوا الإقامة تحت حكم ملوك الكاثوليك إثر حرب الاسترداد التي خاضوها ضد الوجود العربي الإسلامي. أهمّ ما توقّف عنده الونشريسي من مأساة سقوط الأندلس وفرار غالب الأهالي إلى بلاد المغرب هو ضعف إيمانهم و رضا جانب منهم بالهوان لذلك يقول : ” زعموا أنهم فرّوا إلى الله سبحانه بأديانهم وأنفسهم وأهليهم … واستقروا بدار الإسلام … (ثم) ندموا على الهجرة .. وسخطوا وزعموا أنهم وجدوا الحال عليهم ضيقة…”. ما عنتـه تلك اللحظة هو انقلاب حال المسلمين، بإعلانهم دون وجل عن ندمهم على الهجرة من بلاد أصبحت تحت حكم ملوك النصارى إلى بلاد المغرب المسلمة. يستعيد الفقيه بمرارة واستنكار قول بعضهم : “إن جاء صاحب قشتالة نسير إليه فنطلب منه أن يردَّنا إلى هناك يعني دار الكفر… والعياذ بالله؟”. أهمّ ما يمكن أن يلاحَظ في رؤية الفقيه المالكي هو تصدّر الاعتبار الديني القيَمي على أيّ اعتبار آخر. لذلك لم يُثر الحادث الجلل لديه تساؤلات تُذكَر عن دلالة هذا الدمار الذي أتى على كل ما يعنيه الوجود العربيّ الإسلاميّ بالأندلس من دلالات معرفية و فكريّة ومدنيّة وما يمكن أن يترتّب عليه مستقبلا. من ثـَم اقتصر تشخيص الوضع عنده على ثلاثة عناصر:
-  سوء تربية الوافدين من الأندلس و ضَعف إيمانهم مما يتطلّب زجرهم و معاقبتهم.
-  ليس في خروج الأندلسيين إلى بلاد المغرب سوى ” هجرة” تلت معارك انهزم فيها المسلمون.
-  لا خوف على دار الإسلام من هذه الهزيمة، فليس هناك حدود جغرافية مضبوطة لهذه الدار إذ أنّ إمكان توسّعها يظل قائما. الكلمة المفتاح التي تفسّر كل منظومة الونشريسي التي يقرأ على ضوئها الأحداث الأندلسية هي : الحرب. هي الفيصل والفاصل بين دار الإسلام ودار الكفر لأنه لا صيغة للتعايش بين الحق والباطل. أما الصلح والهدنة فهما مؤقتان يزولان بتوفّر إمكان جديد. رغم هول المصاب استمرّ البناء التصوريّ الثقافي للعالَم في “أسنى المتاجر” متماسكا لم يمسسه خدش. إنّه التصوّر الوسيط الذي ساد قرونا محتفظا براهنيته في نظر الفقيه المغاربي فلا حاجة عنده إلى مراجعته. إذا نظرنا إلى الجانب الآخر وجدنا أن ” دي فيتوريا” لم يراجع شرعية الحرب التي قادها الأسبان في العالَم الجديد كما لم يتساءل هل كانت شعوب ذلك العالَم برارة أم لا. من هذه الناحية ظل هو الآخر يفكر بمنطق القرون الوسطى ومنظومة القوانين الإلهية كما حددتها الكنيسة. استمرّ في ذات التصوّر السائد المعتقد أفضلية المسيحية و معاداة المسلمين على أنّهم ّ ” الأعداء الأبديون”. مع ذلك قادته التحوّلات الكبرى إلى التساؤل عن حقوق الأمم في معرض دفاعه عن الهنود الحمر الذين اعتبرهم أصحابَ سلطة عمومية وشخصية رادّا القول بــ”حق الاكتشاف” رافضا ما انجر عنه من شرعية إخضاعِ الهنود واستعبادهم والاستيلاء على أراضيهم. ثم دعّم ذلك بدحض تنصيرهم أو ما سمي “منح العقيدة المسيحية ” لهم لأن الإيمان في رأيه اختيار حر لا مجال فيه للإكراه. من هذه الزاوية كان ” دي فيتوريا” أحد رواد القانون الدولي الحديث القائل بالحق الطبيعي وبالقوانين الإنسانية. هنا، كان توسّعُ عالَم أوروبا إيذانًا بمراجعات سياسية وقانونية هامة وتأكيدا على درجة من الصرامة الأخلاقية التي تفقد بدونها الحياة السياسية كل صدقيتها.

- 2- الحداثة الوافدة في السلاسل و الأغلال

حزمت أوروبا المنتصرة أمرَها واجتمعت في “فيينّا” سنة 1815 لتنهيَ عصر تناحر داخلي دامٍ أنهك قواها وبدّد طاقاتها. انعقد هذا المؤتمر تتويجا لجهود مضنية أطاحت بنابليون، النمرود الفرنسي، الذي كان قد انطلق باسم مبادئ الثورة الفرنسية يدوس العروش و يطيح بالممالك. أتاح هذا المؤتمر لأنجلترا سبل توسّع استعماري في العالَم جعل منها إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس. أمّا فرنسا فقد اضطرت بعد أن تراجعت أهميتها في أوروبا أن تلعق جراحها وتواجه اضطراباتها الداخلية المتوالية، من ثَم جاء توجيه بحريتِها الحربية إلى شواطئ إفريقيا الشمالية. كان ذلك إيذانا بالاستيلاء العسكري على ولاية الجزائر في حملة بدأت سنة 1830 واستمرت إلى سنة 1857. بالنسبة إلى عالَم المسلمين، كان دخول الجيوش الفرنسية إلى حاضرة الجزائر لحظةً تاريخية ثانية تلت لحظةَ ضياع الأندلس. ما تعنيه التاريخية في هاتين اللحظتين هو تَكثُّــفٌ للأحداث يتيح ما لا يُتاح عادة من المراجعة لما ترسّخ من المفاهيم و التصوّرات بالتصحيح أو النقض. مع ذلك فلا انقضاءُ كل هذه المدّة الفاصلة بين الموقعتين ولا هول مصيبة الهيمنة الاستعمارية على بلد مسلم عجزت إسطنبول عاصمة الخلافة عن مواجهته، لا هذا ولا ذاك أثار مساءلات كبرى عن هذا الانزواء الفاجع لعالَم المسلمين. كل ما حصل عندئذ على المستوى الفكري كان إعادةً لطرح السؤال القديم المتعلّق بالحكم الشرعي للمسلم الذي يعيش “تحت ذمة الملّة الكافرة” أو : أيجوز للمسلم المغلوب أن لا يبرح وطنه أم أنّه ملزم شرعا بالهجرة؟ عند المراجعة نجد وثيقتين مهمَّتين عن هذه اللحظة التاريخية الثانية. صدرت الأولى ضمن رسالة بعنوان ” حسام الدين بقطع شُــبَه المرتدّين ” للأمير عبد القادر الجزائري ( تـ 1300/1883) أما الثانية فهي” رسالة محمد ابن الشاهد” مفتي عاصمة الجزائر ( تـ 1253/1837). يذهب الأمير في رسالته إلى أن كلّ مَن بقي بدار الحرب أو نزح إليها من دار الإسلام كافرٌ مرتدّ. في رسالة ابن الشاهد نجد رأيا مختلفا لا يقول بوجوب الهجرة على الإطلاق، إنما تصبح عنده واجبة إن لم يتمكّن المسلم من إقامة دينه. في شرح رأيه يقول: “هل وقعت منّا فتنة في الدين؟ وهل بطلت من المساجد الباقية الصلوات والتأذين؟… وهل الذبائح والأنكحة والمواريث بأيدينا على العهد القديم بحيث لم يتسلّط على شيء من تلك هذا الكافر اللئيم”. ما يعنينا تحديدا في هذين النصّين هو أنّهما على اختلافهما ظلاّ متّفقَيْن في تصورهما المرجعي. لذلك كان تشخيص الوضع الاستعماري على فداحته عند الرجلين من زاوية واحدة هي زاوية الهجرة: أهي واجبة أم لا ؟ كذلك كانت الإحالة في النصّين على ذات الرؤية إلى الآخر المختلِف عبر التقسيم المعروف للعالَم إلى دار إسلام ودار كفر. لقد ظل النصّان كلاهما بعيدين عن إدراك كاملِ أبعاد الغزو الاستعماري فبقيت المواجهة قائمة مع المستعمِر لكن بعُدّةٍ فكريّة وخلفية تصوريّة لم يقع تحيينها. فكما أن ما خسره المسلمون من قبل بسقوط الأندلس لم يُفْضِ إلى مراجعات حقيقية أو تقويم يُدخل ضمن الاجتهاد الفقهي اعتباراتٍ وقيما جديدة، كذلك لم تتّـسع الرؤية لدى علماء الجزائر في ذلك الطور لتستخلص كل الدروس من هذا الانقلاب في طبيعة العلاقات بين المجتمعات المختلفة. إنّها معضلة حسّ تاريخي ضعيف لا يستشعر كلّ ما تعنيه التحديات المُنبَـرية إليهم من خارج عالَمهم. لذلك ظلت خطوات وعيهم التاريخي وئيدة رغم السنين و المخاطر. توالت سنوات القهر والرعب (1830-1930) بعد ذلك على مسلمي الجزائر كاشفة كامل دلالات الغزو الاستعماري. من زاوية فكرية-إنسانية حقّق ذلك مع جمره ومراراته تراكما لتجارب أدّت إلى الوقوف على حقائق تتعلّق بالبناء الحضاري في شروط رؤية جديدة للعالَم. لم تؤد مائة سنة من الاحتلال إلى الانسلاخ عن الإسلام أو القضاء على الشخصية الوطنيّة،كما كانت تسعى إلى ذلك فرنسا. على العكس، توفرت شروط آلية ثقافية أتاحت درجة لافتة من تطوّر منهج التفكير و العمل لدى المجتمع والنخب. برز ذلك مع إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931 بمحاذاة جمعيات و أحزاب مختلفة. كل هذا الحراك كان سعيا إلى تركيب نسق قيَميٍّ متناسب مع مقتضيات العصر وقادر على استيعاب حداثة أوروبية اقتحمت عالَم المسلمين بسلاسلها وأغلالها. هذا التحوّل في وعي النخب الجزائرية بفداحة الهيمنة الفرنسية جعل من العلماء المسلمين من يدرك أن مباشرة الهويّة الدينية تكون وفق قواعد فكرية وثقافية جديدة تعبّر عن تمثّل العالِم و الفقيه لتحديات التفوق الحضاري الأوروبي. هو وعي يعيد بناء الذات بالتخلّص من النظرة التقليدية إلى العالَم و إلى حضارة الآخر. نجد هذا واضحا عند عدد من علماء الجزائر ومفكريهم ولعل أفضل شاهد على ذلك ما كتبه ابن باديس ( تــ 1940) في نصوص عديدة من أهمها نص ” الإسلام الذاتي والإسلام الوراثي: أيهما ينهض بالأمم؟” ونص :” أيها المسلم الجزائري ” الذي يقول فيه: هاك وصايا نافعة ” حافظ على عقلك فهو النور الإلهي الذي مُـنِحتَـه لتهتدي به إلى طريق السعادة …..واحذر كل متريبط ( طُرُقِيّ مُشعوذ) يريد أن يقف بينك وبين ربك .احذر من التوحّش فإن المتوحش في عصر المدنية محكوم عليه بالتناقض ثم الفناء والاضمحلال كما فنيت جميع الأمم المتباعدة عن التمدّن والرقي… وكن عصريا في فكرك وفي عملك “. ذاتّ هذا التوجّه نجده عند علماء الإصلاح في تونس والمغرب فيما قبل الحرب العالمية الثانية. لقد تأكد تجاوز ثنائية دار الإسلام ودار الكفر ببروز مقولة ” التمدّن” التي أصبحت قيمةً يُحتَكَم إليها في العلاقة بالآخر. ذاك ما أثبته أحد علماء تونس متدبرا ما آل إليه شأن المسلمين في الجزائر نهايةَ القرن التاسع عشر حين كتب عن ” أقوم المسالك” يقول: ” إذا اعتبرنا تسابقَ الأمم في ميدان التمدّن وتحزّب عزائمهم على فعل ما هو أَعْوَدُ نفعا لا يتهيأ لنا أن نميز ما يليق بنا [ المسلمين] إلا بمعرفة أحوال من ليس من حزبنا [الأوروبيين] لا سيما من حفّ بنا وحلّ بقربنا”.

-3- مسلمو أوروبا : من الإغرابية إلى المواطنة

كان الدافع الرئيس للجنة ” إفريقيا الفرنسية” سنة 1895 في عملها لإنشاء أول “مسجد جامع” في باريس سياسيا. لم يقصد أصحاب المشروع سوى منافسة إنجلترا بإظهار عناية فرنسا وحَدَبِـها على “أبنائها المسلمين” مقابل إهمال الإنجليز شؤون المسلمين في مستعمراتهم. تباطأ المشروع بعد ذلك حتى انتهت الحرب العالمية الأولى التي قُتل فيها من الجانب الفرنسي ما لا يقل عن 100 ألف محارب من مسلمي المستعمرات، نصفهم أُصيب في معركة “فردان” المذبحية سنة 1916 . عندما انطلقت أعمال بناء جامع باريس سنة 1922 انضاف هذا العنصر الثاني للإسراع بالإنجاز اعترافا بجميل المسلمين الذي سقطوا في الحرب ضد الجيوش الألمانية. ظهر جامع باريس عند تدشينه صيفَ 1926 قريبا من الحي اللاتيني تحفةً معمارية لم تزده مئذنته ذات الطابع الأندلسي المالكي إلا مهابة وجمالا. لم يثر عندئذ المبنى أيّ احتجاج بل كان الإعجاب به وليد ولع الكثير من الفرنسيين بما هو غريب عنهم. تلك كانت أيام اقتران الإسلام وحياة المسلمين بالإغرابية المحَبَّبَة التي تحبّ المجلوب إليهم الغريب عنهم. حين يُثار الحديث اليوم في أوروبا عن عالَم المسلمين و ثقافتهم و معتقداتهم ومشاغلهم فلا تكاد تجد أثرا جليا لتلك الاعتبارات السياسية التي كانت فاعلة زمن بناء المسجد الجامع في باريس. إلى ذلك تضاءلت بصورة شبه كاملة تلك الإغرابية المعجَبَة بعبق الشرق وجماله و إثارته. ما يتصدر الآن المشهد الأوروبي هو إصرار على إنكار التخريب الاستعماري الفرنسي للجزائر وغيرها و إذكاء ما يعرف بحرب المآذن في سويسرية وصدٌّ معلَن لمشروع انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. هذه الأمثلة وغيرها تختزل تحوّلا له عدة أسباب لعلّ أبرزها هو العنصر الديموغرافي للجالية المسلمة التي يقارب عددها 15 مليونا بالنسبة إلى الـ 460 مليونا لمجمل سكّان الاتحاد الأوربي. لهذا قُدِّم حضور المسلمين على أنّه حالة التفاف مفاجئ وزاحف لجائعي الجنوب ومحروميه يتدافعون به لتهديد الشمال الآمن الغنيّ. غير أن التمعّن في وضع مسلمي أوروبا يستبعد هذا الطرح المبسّط المخاتل. إنّه تجاهل للأسباب الشمالية لهجرة الجنوب. فبعد ابتزاز ثروات البلاد المستعمرة و الاعتماد على رجالها في الحروب شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة من التشجيع على الهجرة للحاجة إلى قوّة عمل هامة ورخيصة لإعادة بناء ما دمّرته الحرب الثانية و للمساهمة في تشييد معالم الرفاهية الحديثة. أمّا ما تتذرّع به خاصة الحركات اليمينية المتطرّفة من مخاطر المهاجر الجنوبي فليس إلاّ استفزازا للمخيال العام بتحصين المركزية الأوروبية المستهينة بالآخر. لكن المهمّ اليوم في حضور المسلمين بأوروبا هو أنهم أصبحوا جزء مكوّنا من تلك المجتمعات فلم يعد أي معنى لاعتبارهم مهاجرين أو أبناء مهاجرين. الأهمّ في هذا الحضور الذي غدا لا رجعة فيه هو أن مجالات النشاط المدني والعلمي مكّنت المسلمين، كما مكّنت غيرهم، من المساهمة في صناعة وعي أوروبي مغاير في نظرته إلى الآخر بما في ذلك الإسلام والمسلمين. الأخطر في كل هذا هو أن عددا من المسلمين تجاوزوا الإطار الواقعي الاجتماعي ليتحوّلوا تدريجيا إلى جزء عضويّ في حياة أوروبا الفكرية والسياسية والروحية. ذلك هو ما يقضّ مضاجع المتعلّقين بأوهام يائسة. إنّها الإعلان عن انقضاء ذكريات الإغرابيّة و نهاية الحديث عن التفاف »الأجنبي« »الهمجي« الذي يغزو أوروبا مهددا أمنها و رفاهيتها. هو طور جديد لأوروبا ما كان يمكن بلوغه لولا قيمة أساسية من قيم الحداثة هي ” المواطنة”. لكنّ جدّة هذا الطور لا تقتصر على الوعي الأوروبي بل تتخطاه إلى تفعيل الوعي الإسلامي ذاته الذي أصبح يحثّ الخطى نحو تقسيم مغاير للعالَم ورؤية جديدة للذات. بذلك بدأت معالم الوعي بالعالَم والعصر تتغيّر وتتحدد. أصبحت مراجعة التقسيمات القديمة الضابطة للموقع الذي يشغله المسلمون ومجتمعاتهم في هذا العالم ضرورية. بدأت المراجعة لثنائية دار الإسلام ودار الحرب التي ركّزها الفقه الوسيط ثم رسّختها الإحيائية الإسلامية في البلاد العربية. أصبحت مراجعة الاستقطاب بين عالَمين: أحدهما علماني غربي والثاني شرقي مسلم أمرا متأكدا. حصل ذلك رغم، أو بفضل، ما حرصت عليه السلفية الجهادية في العقدين الأخيرين من التصعيد في الطبيعة العدائية التي يقوم عليها ذلك الاستقطاب. لعلّ أفضل مثال عن هذا التحوّل ما يقدّمه كاتب ومفكّر مسلم أوروبي هو ” طارق رمضان”. في كتابه ” دار الشهادة: الغرب فضاء للشهادة” الصادر سنة 2002 يحدد المؤلف شروطا ثلاثة تتيح للمسلم الأوروبي مغادرة الاستقطاب الذي تأسس على الثنائية التقليدية وهي:
- القطع مع وضع الضحيّة والهامشي بالانضواء ضمن رابطة المسلمين الإيمانية الروحية.
- رفض كل تديين للمشاكل التربوية والاقتصادية الاجتماعية بالبحث لها عن حلول سياسية وِفاقية.
- العمل على إنشاء مؤسسات للتكوين الديني للمسلمين لا تعتمد القراءة الحرفية الظاهرية للنصوص الدينية. بهذه المنطلقات يشهد المسلم في فضاء أوروبا الغربية على أنّه مواطن مندمج في مجتمعه الجديد. يفعل ذلك دون تنكّر لجذوره ودون انصياع إلى التقاليد الثقافية الموروثة والبناء الفكري الذي يدفع به إلى مواقع ردود الأفعال والمواجهة أو العدوانية. باعتماد مفهوم ” الشهادة” المستمد من معنى قرآني – “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ”- يؤسس طارق رمضان للرابطة الإسلامية في مجتمعات أوروبية حيث لا يمكنهم أن يكونوا فيها أغلبية كما يستحيل عليهم أن يتجاهلوا تاريخها و قيمها و فكرها. من هذه الزاوية فإن جلّ ما أنتجه هذا المفكّر من كتب ومقالات ولقاءات هو في نهايته معالجة جديدة لإشكالية العالمية والخصوصية في الفكر الإسلامي الحديث. هي مقولة تعتبر أنّه لا مستقبل لخصوصيات منغلقة ومتجاهلة للآخر و لا معنى لعالمية أحادية الجذر مُنكرة للمثاقفة والإثراء المتبادل. دعوة ” الشهادة ” هي تَخَطٍّ للخطاب الحمائي للهويّة الذي يظنها جوهرا فردا لم يمسَسْه تغيير من قبل فينبغي لذلك تحصينه ضمانا لبقاء الأمّة. لكنها أيضا دعوة إلى رفض التفسّخ الثقافي والإيماني بحجة الاندماج وحسن المسايرة. في كلمة، ما يقدّمه طارق رمضان مع مسلمين آخرين هو تأسيس جديد للحدود بين الثقافات والأعراق والمعتقدات. هو نهاية تدهور الوعي بالعالَم لدى المسلم بفتح بُعدٍ جديد يُنهي مفهوم الأقليّة الدينية والثقافية و يبني مجتمعات الحقوق والمسؤوليات، مجتمعات المواطنة.

Sorry, the comment form is closed at this time.